صفي الرحمان مباركفوري

357

الرحيق المختوم

جيش كبير عرمرم ، مثل البحر الخضم ، قوامه مائتا ألف مقاتل ؟ حار المسلمون ، وأقاموا في معان ليلتين يفكرون في أمرهم ، وينظرون ويتشاورون ، ثم قالوا : نكتب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فنخبره بعدد عدونا ، فإما أن يمدنا بالرجال ، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له . ولكن عبد اللّه بن رواحة عارض هذا الرأي ، وشجع الناس ، قائلا : يا قوم واللّه إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون ، الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ، ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا اللّه به ، فانطلقوا ، فإنما هي إحدى الحسنيين ، إما ظهور وإما شهادة . وأخيرا استقر الرأي على ما دعا إليه عبد اللّه بن رواحة . الجيش الإسلامي يتحرك نحو العدو وحينئذ بعد أن قضى الجيش الإسلامي ليلتين في معان ، تحركوا إلى أرض العدو ، حتى لقيتهم جموع هرقل بقرية من قرى البلقاء يقال لها : ( مشارف ) ، ثم دنا العدو ، وانحاز المسلمون إلى مؤتة ، فعسكروا هناك ، وتعبأوا للقتال ، فجعلوا ، على ميمنتهم قطبة بن قتادة العذري ، وعلى الميسرة عبادة بن مالك الأنصاري . بداية القتال ، وتناوب القواد وهناك في مؤتة التقى الفريقان ، وبدأ القتال المرير ، ثلاثة آلاف رجل يواجهون هجمات مائتي ألف مقاتل . معركة عجيبة تشاهدها الدنيا بالدهشة والحيرة ، ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب . أخذ الراية زيد بن حارث - حب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - وجعل يقاتل بضراوة بالغة ، وبسالة لا يوجد لها نظير إلا في أمثاله من أبطال الإسلام ، فلم يزل يقاتل ويقاتل حتى شاط في رماح القوم ، وخر صريعا . وحينئذ أخذ الراية جعفر بن أبي طالب ، وطفق يقاتل قتالا منقطع النظير ، حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه الشقراء فعقرها ، ثم قاتل حتى قطعت يمينه ، فأخذ الراية بشماله ، ولم يزل بها حتى قطعت شماله ، فاحتضنها بعضديه ، فلم يزل رافعا إياها حتى قتل . يقال : إن روميا ضربه ضربة قطعته نصفين ، وأثابه اللّه بجناحيه جناحين في الجنة ، يطير بهما حيث يشاء ، ولذلك سمي : بجعفر الطيار ، وبجعفر ذي الجناحين .